ابن تيمية

301

مجموعة الفتاوى

الْكَافِرِينَ } فَلَوْ لَمْ تَرِدْ الْآثَارُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا مَعْنَى الْآيَةِ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدِ أَنْ يَحْمِلَ الْآيَةَ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُتَنَازَعِ فِيهِ بِلَا دَلِيلٍ لِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَيْهِ فَكَيْفَ وَقَدْ جَاءَتْ الْآثَارُ بِذَلِكَ ؟ . وَأَمَّا مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَنْ الْيَهُودِ مِنْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُنْصَرُونَ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ شَاذٌّ وَلَيْسَ هُوَ مِن الآثَارِ الْمَعْرُوفَةِ فِي هَذَا الْبَابِ فَإِنَّ الْيَهُودَ لَمْ يُعْرَفْ أَنَّهَا غَلَبَتْ الْعَرَبَ بَلْ كَانُوا مَغْلُوبِينَ مَعَهُمْ وَكَانُوا يُحَالِفُونَ الْعَرَبَ فَيُحَالِفُ كُلُّ فَرِيقٍ فَرِيقاً كَمَا كَانَتْ قُرَيْظَةُ حُلَفَاءَ الْأَوْسِ وَكَانَتْ النَّضِيرُ حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ . وَأَمَّا كَوْنُ الْيَهُودِ كَانُوا يَنْتَصِرُونَ عَلَى الْعَرَبِ فَهَذَا لَا يُعْرَفُ بَلْ الْمَعْرُوفُ خِلَافُهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ تَعَالَى : { ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ } . فَالْيَهُودُ - مِنْ حِينِ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ أَيْنَمَا ثُقِفُوا إلَّا بِحَبْلٍ مِن اللَّهِ وَحَبْلٍ مِن النَّاسِ - لَمْ يَكُونُوا بِمُجَرَّدِهِمْ يَنْتَصِرُونَ لَا عَلَى الْعَرَبِ وَلَا غَيْرِهِمْ وَإِنَّمَا كَانُوا يُقَاتِلُونَ مَعَ حُلَفَائِهِمْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَالذِّلَّةُ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ حِينِ بُعِثَ الْمَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَكَذَّبُوهُ . قَالَ تَعَالَى : { يَا عِيسَى إنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } وَقَالَ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ